محمد الريشهري

25

موسوعة العقائد الإسلامية

فَقَولُكَ : إِنَّ اللهَ قَديمٌ ، خَبَّرتَ أَنَّهُ لا يُعجِزُه شَئٌ ، فَنَفَيتَ بِالكَلِمَةِ العَجزَ وجَعَلتَ العَجزَ سِواهُ ، وكَذلِكَ قَولُكَ : عالِمٌ ، إِنَّما نَفَيتَ بِالكَلِمَةِ الجَهلَ وَجَعلتَ الجَهلَ سِواهُ ، وإِذا أَفنَى اللهُ الأَشياءَ أَفنَى الصّورَةَ والهِجاءَ وَالتَّقطيعَ ، ولا يَزالُ مَن لَم يَزَل عالِماً . فَقالَ الرَّجُلُ : فَكَيفَ سَمَّينا رَبَّنا سَميعاً ؟ فَقالَ : لاَِنَّهُ لا يَخفى عَلَيهِ ما يُدرَكُ بِالأَسماعِ ، ولَم نَصِفهُ بِالسَّمعِ المَعقولِ فِي الرَّأسِ ، وكَذلِكَ سَمَّيناهُ بَصيراً ؛ لاَِنَّهُ لا يَخفى عَلَيهِ ما يُدرَكُ بِالأَبصارِ ، مِن لَون أَو شَخص أَو غَيرِ ذلِكَ ، ولَم نَصِفهُ بِبَصَرِ لَحظَةِ العَينِ ، وكَذلِكَ سَمّيناهُ لَطيفاً لِعِلمِهِ بِالشَّيءِ اللَّطيفِ مِثلِ البَعوضَةِ وأَخفى مِن ذلِكَ ، ومَوضِعِ النُّشوءِ مِنها ، وَالعَقلِ وَالشَّهوَةِ لِلسِّفادِ وَالحَدَبِ عَلى نَسلِها ، وإِقامَ بَعضِها عَلى بَعض ، ونَقلِهَا الطَّعامَ وَالشَّرابَ إِلى أَولادِها فِي الجِبالِ وَالمَفاوِزِ ( 1 ) وَالأَودِيَةِ والقِفارِ ( 2 ) ، فَعَلِمنا أَنَّ خالِقَها لَطيفٌ بِلا كَيف ، وإِنَّمَا الكَيفِيَّةُ لِلمَخلوقِ المُكَيَّفِ . وكذلِكَ سَمَّينا رَبَّنا قَوِيّاً لا بِقُوَّةِ البَطشِ المَعروفِ مِنَ المَخلوقِ ، ولَو كانَت قُوَّتُهُ قُوَّةَ البَطشِ المَعروفِ مِنَ المَخلوقِ لَوَقَعَ التَّشبيهُ ، ولاَحتَمَلَ الزِّيادَةَ ، ومَا احتَمَلَ الزِّيادَةَ احتَمَلَ النُّقصانَ ، وما كانَ ناقِصاً كانَ غَيرَ قَديم ، وما كانَ غَيرَ قَديم كانَ عاجِزاً ، فَرَبُّنا - تَبارَكَ وتَعالى - لا شِبهَ لَهُ ولا ضِدَّ

--> 1 . المَفاوِز : جمع المفازة ؛ وهي البريّة القَفْر . سمّيت بذلك ؛ لأنّها مُهلِكة ، من فوَّز : إذا مات . وقيل : سُمّيت تفاؤلا من الفوز : النجاة ( النهاية : 3 / 478 ) . 2 . القَفْر : مَفازة لا ماء فيها ولا نبات ، والجمع قِفار ( الصحاح : 2 / 797 ) .